جلال الدين السيوطي
9
الأشباه والنظائر في النحو
على ذلك أنّ النحويين يجيزون : مررت برجل قائم زيد وأبوه ، ولا يجيزون : مررت برجل قائم زيد وقائم أبوه ، لأنّ الكلام الأوّل جملة واحدة ، فاكتفي فيها بضمير واحد يعود إلى الموصوف ، والثانية تجري مجرى جملتين ، فلا بدّ في كل واحدة منهما من ضمير ، وكذلك يجيزون : زيد قام عمر وأبوه ، ولا يجيزون : زيد قام عمر وقام أبوه ، لتعرّي الجملة الواحدة من ضمير يعود إلى المبتدأ . الكلام في قوله تعالى : وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ سألت عن قول اللّه تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ آل عمران : 183 ] ، وقلت بأيّ شيء انتصب « قائما » وما العامل فيه ؟ وأين خبر التبرئة من هذه الآية ؟ وذكرت أنّ بعض المنتحلين لصناعة النحو أنكر قولنا : إنّ « قائما » هاهنا منصوب على الحال ، وزعم أنه كفر من قائله ، وإنما قال ذلك فيما يرى لأنّ الحال فيما ذكر النحويون منتقلة وفضلة في الكلام ، والقيام بالقسط صفة للّه تعالى لم يزل موصوفا بها ولا يزال ، ولا يصحّ فيها الانتقال ، ونحن نربأ بأنفسنا أن نكون ممّن يجهل ما يوصف به اللّه تعالى فنصفه بما لا يجوز ، أو يغيب عنّا هذا المقدار من علم اللسان ، وإنما أتي هذا المعترض من قلّة بصره بهذه الصناعة وسوء فهمه لباب الحال ، وقد أجبتك عن ذلك بما فيه كفاية وإقناع ، وباللّه أستعين وعليه أتوكّل . أما خبر التبرئة في هذه الآية فمحذوف تقديره عند البصريين لا إله في الوجود إلّا هو ، أو لا إله موجود إلّا هو ، ونحو ذلك من التقدير ، وخبر التبرئة قد يحذف إذا كان في الكلام دليل عليه ، كقولهم : لا بأس يريدون : لا بأس عليك وكقول عبد يغوث الحارثي : [ الطويل ] « 577 » - فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن * نداماي من نجران أن لا تلاقيا أراد أنه لا تلاقي لنا ، وقوله : « هو » بدل من موضع لا وما عملت فيه لأنّ التبرئة وما تعمل فيه في موضع رفع على الابتداء ، وهي في ذلك بمنزلة إنّ وما تعمل فيه ،
--> ( 577 ) - الشاهد لعبد يغوث بن وقاص في الكتاب ( 2 / 201 ) ، وخزانة الأدب ( 2 / 194 ) ، وشرح اختيارات المفضّل ( ص 767 ) ، وشرح التصريح ( 2 / 167 ) ، وشرح المفصّل ( 1 / 128 ) ، والعقد الفريد ( 5 / 229 ) ، ولسان العرب ( عرض ) ، والمقاصد النحوية ( 4 / 206 ) ، وبلا نسبة في خزانة الأدب ( 1 / 413 ) ، ورصف المباني ( ص 137 ) ، وشرح الأشموني ( 2 / 445 ) ، وشرح ابن عقيل ( ص 515 ) ، وشرح قطر الندى ( ص 203 ) ، والمقتضب ( 4 / 204 ) .